المقالات

ماتت نخلة البرحي وترمل بستان الشعر

بقلم : فالح حسون الدراجي …

في الساعة الثالثة من فجر الجمعة – بالتوقيت الأمريكي – أي في الساعة الواحدة ظهراً بتوقيت بغداد، وقبل أن أطفئ مصباح غرفتي لأخلد الى النوم بعد يوم طويل وساعات مرهقة، تلقيت رسالة نصية من صديقي الفنان العراقي التقدمي (المندائي) عدنان السبتي، يخبرني فيها، ويعزيني بوفاة الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة !
صدمت، وتجمدت في مكاني، يا إلهي، أية فجيعة هذه، وأي حزن نجيب يستوعب حالتي، فيمهلني سويعات معدودة لأنام فيها وأستريح من تعبي، لاسيما وأني قد انتهيت تواً من عملي الذي كتبت فيه الكثير للوكالة والجريدة.
وحتى لو أن الحزن قد تقبل فكرة المهلة هذه، ووافق عليها، كيف ستغمض عيناي، وهما تعلمان أن في بيت قريب من بيتي تموت الان شاعرة فاتنة وساحرة في الشعر والجمال والوطنية العراقية الحقيقية.. كيف أنام ياترى، وفي بيت (أم زكي) الذي لايبعد عن بيتي أكثر من (شمرة عصا) كثير من بكاء ونواح وعويل وأسى لرجال ونساء، ولقصائد قد تيتمت تواً ؟
لذا فإن من المستحيل أن أنام الليلة، وقارورة عسل الشعر قد تهشمت في ثمالة هذا الليل المترع بخمرة الجمال؟
لذلك قمت أولاً بالإتصال بمسؤول كبير في الدولة العراقية، ومن باب الصداقة والزمالة، أخبرته بالمصاب الجلل الذي لحق بالإبداع العراقي، وبقصيدة الشعر الوطني الجميل، وللحق، فقد حزن جداً صديقي المسؤول الكبير، وقام بواجبه الوطني والثقافي والأخلاقي بأحسن ما يمكن أن يقوم به مسؤول مثقف في هكذا مواقف.
لقد ماتت نخلة البرحي – أجزم أن تمر البرحي ولميعة عمارة الجنوبيين أصلاً وجغرافية وانتماءً، هما، حلوان كالعسل- لذلك ترمل بموتها بستان الشعر العراقي والعربي، وهل هناك مصاب أقسى من موت نخلة برحي، وترمل بستان؟
وبناءً على هذا المصاب، جلست في غرفتي ساعة وصول الخبر المؤلم، حزيناً منكسراً موجوعاً، فقد كنت أحب هذه الشاعرة الحميمة جداً، وكانت علاقتي بها طيبة جداً، ولي أيضاً صداقة ومودة أخوية مع أحد أبنائها، وعلاقة وثيقة مع قومها وأهلها.. ولعلني كنت من فرط اعتزازي بها، أشم عطر شعرها وشاعريتها من مسافات بعيدة، وأشعر بحضورها الساطع رغم غيابها الإضطراري في السنوات الأخيرة، إذ أني لم ألتقِ بها منذ خمس سنوات أو أكثر، بعد أن اعتزلت شاعرتنا اللقاءات، وقاطعت المشاركات في المناسبات، فهي لها خصوصيتها وآراؤها بما يتعلق بالشكل والشيخوخة والظهور أمام الناس، وقد تجلى ذلك بوضوح في أواخر عمرها الطاعن في السن، حيث شاخت بعض ملامحها، وذبل ورد الياسمين على خديها، وأريق الكثير من عسل ذلك السحر الفاتن .. خاصة وأنها كانت تحب وتعتز بجمالها، وتحرص على إدامة أناقتها وألقها ورونقها، وضوء بهائها الساحر..
فكان من المستحيل أن تظهر بغير ماكانت عليه من قبل ..
ولعل من المفيد ذكره في هذا الاستذكار لسيدة جليلة وقديرة، أنها كانت تحب أن أقرأ قصائدها الشعبية العامية بصوتي، حين كنت أعد وأقدم برنامج ( مواويل وشعر ) من إذاعة العراق الحر في براغ، قبل حوالي عشرين عاماً، وقد قرأت بالفعل عدداً من قصائدها الشعبية في هذا البرنامج، وكانت تجاملني كثيراً، فتقول لي :
( أنت تقرأ قصائدي أحلى مني) ! فكنت أضحك حين تقول لي ذلك، فهي كما يعرف الجميع تقرأ الشعر أحلى من أي شاعر أو قارئ شعر في الكوكب الشعري، فهي حين تقرأ قصائدها بصوتها، تشعرك كأنها تقرأ الشعر لك وحدك، وليس لعشرات الآلاف من الجمهور والمستمعين !
إن الذي اوجعني في رحيل شاعرتنا الكبيرة، هو حجم الخسارة الهائلة التي لحقت بالشعر العراقي والعربي الحديث، والخسارة الجسيمة التي لحقت بموكب الوطنية العراقية، خاصة وأن هذا الموكب بات يتناقص كل يوم بسبب متغيرات وأحداث ومسببات كثيرة ليس مهماً ذكرها الان.
وقد تكون خسارتي أشد من غيري بسبب الروابط والمشتركات العديدة التي أتشرف بها بيني وبين الراحلة .. ولعل من بينها، أني أعتز مثلها كثيراً بهويتي الوطنية العراقية، وبكوننا – أصلاً – من مدينة مظلومة واحدة هي -مدينة العمارة- فضلاً عن انتمائنا الواحد لعالم الشعر الجميل.. ولعل من محاسن الصدف أن يكون اغترابنا في مدينة واحدة أيضاً – مدينة سان دييغو الأمريكية، وأن تكون – وهي الصابئية – من قوم أحبهم جداً، فعلاقتي علاقة ودية بل وروحية مع الصابئة المندائيين وأكاد أكون صابئياً بالتعاطف والمواددة رغم اعتزازي بديني ومذهبي وعلمانيتي.
كما إن بيني وبين أم زكي رابطة أخالها رابطة مهمة، ألا وهي حب الناس، والرقة الفائقة في التعامل مع الناس والحياة وكل الأشياء التي تعيش معنا.
إن عذوبة ورقة لميعة عباس عمارة تكاد ترقى الى مستوى شاعريتها الباهر جداً، حتى يختلط الامر عليك، فتسأل:

أهي امرأة عذبة رقيقة تكتب الشعر، أم هي قصيدة تمشي على الارض، مكتنزة بكل هذا الجمال والرقة والعذوبة الفريدة في عالم خشن ..وصلد، وقاس!
لقد أحببت الشاعرة العمارية العراقية الصابئية التاريخية الحلوة لميعة عباس عمارة، كما أحبها ملايين العراقيين أيضا، لكني ربما أختلف عن غيري في محبتها، فأنا ” معيدي” ومصيبة المعدان لا تكمن في محبتهم فحسب، إنما في حزنهم على فقد من يحبون!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
FacebookTwitterYoutube
إغلاق