الاخبارالمقالات

ملحمة ( أبو رغيف) و( مقاومة ) الكاظمي !


بقلم : فالح حسون الدراجي …


منذ سقوط نظام صدام حسين، والفساد في بلادنا يعمل بجد ونشاط وهمّة عجيبة، بل أن بعض الفكهين والكتاب اللاذعين صوروا الفساد في العراق بهيئة (إنسان) يشتغل بطاقة مضاعفة (يعني أوفر تايم) من أجل أن يلحق بقطار الفاسدين الإقليمي أو بركب (الفساد العالمي)، ولكي يستطيع (الفساد) أيضاً إنجاز واجباته الكثيرة والمتنوعة، وأن يعوض ما فاته من سنوات (الحرمان) حيث كان ممنوعاً عليه العمل والسرقة آنذاك.
وللتوضيح، فإني أود الإشارة الى أن الدولة العراقية في زمن صدام حسين، لم تكن عفيفة ونزيهة لوجه الله أو(بسبب سمو ورفعة أخلاقها) إنما كانت (عفتها) منسوجة على منوال الخوف والرعب من العقوبات الصارمة والعنيفة التي تتخذها السلطات آنذاك، فالفاسدون كانوا يفكرون ألف ألف مرة قبل أن يسرقوا من الدولة، لأنهم يدركون أن صدام وعائلته يتعاملون مع الأموال العراقية، وجميع الممتلكات العامة، وكأنها أملاكهم وممتلكاتهم الخاصة، ومن يسرق الدولة، كأنه يسرق أموال وممتلكات صدام حسين، وعلى هذا الأساس يكون الحساب مع السارق عسيراً، والعقوبة شديدة لكل من يجرؤ على ذلك!
ولكن، ورغم هذا التحليل الذي قد يختلف معي حوله الكثيرون، فقد كانت لدينا دولة، وعندنا نظام حسابي صارم، لذا كانت الدولة تنام آمنة أمينة، مطمئنة، فتنهض صباحاً وخزائنها سليمة تماماً..
نعم، كانت الدولة العراقية أمينة وسليمة، فلا (هيئات إقتصادية) آنذاك، ولا (حِصَّة للحجي) أو (خُمس للسيد) أو( حق الأستاذ)، أو (مالات الباشا) تفرز كل رأس شهر، كما لم يكن ابن الوزير أو أخو المدير العام يقترب من بوابة الوزارة، أو الشركة، فقد كان الجهاز الأمني ( الخاص) يقطع رجليه إن وصل، لذلك انعدم الفساد، وقلَّت السرقات للمتلكات العامة الى نسب لا تذكر، في حين كان موضوع الرشى في العراق، أو (القومسيونات) معدوماً، والفساد مطروداً من البلاد، وللحق، فإن هذا الأمر كان موجوداً بشكل أكبر وأنصع في عهد الشهيد الخالد عبد الكريم قاسم، وعهدَي عبد الرحمن عارف، والبكر..

أما بعد 2003، فلا أحتاج الى أمثلة عن طغيان الفساد للأسف، فحكومة العراق اليوم تتقدم تسلسلات الفساد في العالم، في ظل الغياب التام للمحاسبة والمساءلة لكبار الفاسدين، وما يسمى بالحيتان..
لذلك، وصل الأمر بالعراقيين الى اليأس التام (وغسل اليد من العكِس) من احتمالية رؤية الفاسدين الكبار خلف القضبان، حتى بات موضوع الفساد محل تندر وسخرية المجتمع العراقي، بعد أن شبع المجتمع من الأسى والحزن والقهر لما وصلت اليه الأمور في البلد.. فأصبح يتندر على أساه وحزنه ووجعه، تماماً كما كان المصارع الروماني يضحك على ألمه ووجعه في حلبات الصراع، فقال عنه الشاعر الإنكليزي جورج غوردون: ( شر البلية ما يضحك).
لقد انتظر شعبنا المعجزة، ومن أجلها صبر طوبلاً، ليرى حوتاً حقيقياً – وليس إصطناعياً – خلف القضبان.
ويبدو أن المعجزة قد تحققت اليوم، فها هو الكاظمي يفتح أبواب السجون لـ (الحيتان)، ويكلف (أحمد أبو رغيف) بالتحقيق معهم..
وأبو رغيف لمن لا يعرفه – ما عندوش في الحق يمه ارحميني – فهو رجل لا أتمنى لأحد أحبه أن يقع بيديه.. خاصة عندما يكون حوتاً فاسداً ..
البعض يقول: دعونا ننتظر، ولا نستعجل مدح الكاظمي، أو الثناء على أبو رغيف.. فالمسألة لم تزل في أولى خطواتها الحسابية، والعبرة في نتيجتها وليس في خطواتها..
وأنا أقول: نعم العبرة في النتائج، ولكن المقدمات تكشف عن النتائج في الكثير من القضايا.. وما يحدث الان على يد أبو رغيف، أعتبره ملحمة.. ملحمة وطنية حقيقية، مهما اختلفنا حول طريقة وأسلوب وأداء أبو رغيف وبقية لجنة مكافحة الفساد..
أما الكاظمي، فقد عبر هذا الامتحان بنجاح كبير، خصوصاً حين قاوم، ورفض وساطات ( الكبار جداً ) بإطلاق سراح الحوت الأخير !.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
FacebookTwitterYoutube
إغلاق