المقالات

(مذكراتي)ح 17 محاولات إنتحار فاشلة


بقلم .. كريم وهاب عبيد العيدان..

الانتحار ومحاولات الانتحار شائعة ومتعارفة في ظل الأنظمة الديكتاتورية ، فما بالك بنظام سفاح متعطش للدماء ، لايرى في الانسان الا مجرد دمية طيعة يحركها كيفما شاء ووقت ما أراد ، صحيح أن علماء النفس والاجتماع يعتبرون محاولات الانتحار مرتبطة بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية الرديئة وبالصعوبات الوجدانية والوجودية ذات العلاقة بالعوامل النفسيـة والخاصة بالفرد وعتبة تحمّله وتصديه للصعاب ، ويعتقدون أيضا أنّ الانتحار مرتفع جدا في البلدان الغربية وغير مرتفع في البلدان النامية، لكن الحقيقة أن هذه الدراسات تبدو عاجية وبعيدة عن الواقع ، لان الدول النايمة هي الأكثر في عمليات القهر والقتل الانتحاري ومحاولات الانتحار ، ذلك لأن هذه الأنظمة بوليسية وعسكرتارية ارهابية موغلة في الجرائم مما يدفع المجتمعات للبحث عن خشبة الخلاص عبر بوابة الموت الرحيم كما تعبر عنه بعض الادبيات أو المصطلحات.
في واقع الأمر لم يكن كاتب (مذكراتي) النائب الدكتور خلف عبدالصمد هو الوحيد الذي كشف عن رغبته في الانتحار في ظل حالة التعذيب الوحشي والحفاظ على سرية العمل وعدم البوح بأسماء رفاق الدرب والمسيرة ، أن ماجرى ويجري من تعذيب جسدي ونفسي في سجون ومعتقلات النظام هو ما لايمكن تصوره ، يدفع إلى محاولات الانتحار لان صور الموت تتكرر أمام ناظريك على مدار الساعة وان قرار موتك قد يصدر اليوم أو غد مما يجعل الموت متدليا منتظرا قاب قوسين أو أدنى ، لدرجة أن تكون أنت متفرج على موت الآخرين وهم متفرجون على موتك أيضاً، يتركونك تشاهد موت الآخرين، في انتظار مشهد موتك الدرامي ،وبين هذا وذاك تزورك او تراودك الأفكار للسطوع في عالم آخر غير عالمك المادي المحسوس بالابعاد والزمن وكتلة الادمية التي تحولت في سجون الوحوش إلى حقل تجارب للتعذيب والقتل اليومي البطيء..
الدكتور خلف عبدالصمد يضعنا أمام ثلاث محاولات للانتحار ويصور لنا تلك الأفكار التي انتابته والتي عشعشت في مخيلته لوضع نهاية لالامه واذلاله وابعاد الخطر عن الاخرين …
ففي المرة الا لى وبعد تعذيب دام فكر بالانتحار لكنه التفكير المسموع الذي حذره منه احد النزلاء المجاورين له في السجن ، اما المرة الثانية فكانت مدروسة ودقيقة حيث تبلورت اثر ايماءات من سجين آخر متهم بالجناح العسكري لحزب الدعوة الإسلامية مما فتح اعين الطغاة عليه لدرجة أن مدير تحقيق امن البصرة المجرم فاضل الزركاني هدده بقطع رجليه اذا لم يعترف عن مكان الأسلحة وطبعا هذا المجرم له تاريخ اسود في الجريمة سيما وانه المسؤول عن اعدام شهداء قبضة الهدى ( رحمهم الله ) وهناك قصص كثيرة عن جرائمه الوحشية حتى ان إحدى النساءالمعتقلات وهی ام جلیل تحکی احدى مشاهداتها لجرائم هذا الشخص تقول 🙁 قبل أن أحكي لكم عن الفترة التي قضيتها في مديرية الأمن العامة في البصرة ، دعوني أذكر لكم واحدة من الأحداث التي لم استطع نسيانها ففي أمن البصرة جيء بشخص لا أتذكر اسمه وكنت في قاعة التحقيق وقيد الرجل على احد الكراسي، واستخدمت معه كل صنوف التعذيب، فلم يعترف، فأمروا باستدعاء زوجته وبعد ساعة أحضروا الزوجة، وكانت تحمل طفلاً لا يتعدى عمره بضعة شهور، وهدد بفعل الفواحش بزوجته أو الاعتراف، ومع ذلك لم تهن صلابته وجلده، ثم قاموا بربط زوجته بكرسي آخر، وأخذ منها الطفل، وهددا بقتل الطفل، أصيبت الأم بالإغماء. كان المحقق آنذاك الرائد (فاضل الزركاني) مدير التحقيق، وكان مجرماً حقيقياً إذ أخذ الطفل، والكل يرتجف ويراقب ما الذي سيفعله هذا الوحش، رفع الطفل وضربه بالأرض: فتمزق جسد الطفل أشلاءً ودماء، ولحظتها سرى خوف رهيب في نفوس المتواجدين في غرفة التحقيق وأولهم المجرم (فاضل)، الذي انتبه لنفسه، فأخرجنا من الغرفة ولم أعرف مصير الأب والأم).
لذلك يقول الدكتور خلف عبدالصمد (كنت اتوقع ان يكون كلام الزركاني دقيقاَ فهو معروف باجرامه وخشيت أنني لم أتحمل قص رجلي بالمنشار ، ففكرت بالانتحار ، وكانت تلك المرة الثانية التي افكر فيها بهذا الفعل ) ويقول في جانب من مذكراتي بهذا الشأن ( فكرت بالانتحار وكانت خياراتي محدودة ،فكانت امامي طريقة تصورت أنها بمثابة الخلاص من الجحيم الذي كنت اعيش فيه، فقلت مع نفسي أنني سادلهم على مكان محدد وادعي أن هناك سلاحا في ذلك المكان ، وبذلك اختار أي مكان قريب من النهر اعتباطيا ثم ارمي بنفسي فيه لاختنق قبل أن يلحقوا بي ) وفعلا نفذ صاحب المذكرات هذه الفكرة الخطيرة ، وتم اصطحابه إلى موقع قريب من النهر وعندما حاول النزول لتنفيذ خطته رفض المجرمون السماح له لدرجة أنهم سخروا منه قائلين اتظن أن نسمح لك لتنتحر في النهر ، وهذا المقطع يقودنا للقول بأن هناك الكثير ممن حدثتهم أنفسهم لسلوك هذا الموقف تخلصا من واقع رهيب بكل مقاسات الارهاب …
اما المحاولة الثالثة فكانت باستخدام التيار الكهربائي في دورة المياه الا أن ضعف التيار حال دون ذلك مما يوضح أيضا ان آخرين قد كانوا ضحايا هذا التيار الكهربائي مما دفع رجال الامن للحيلولة دون ذلك ليس حفاظا على ارواح المعتقلين وانما خوفا من فقدان صيدهم الثمين أو لان الانتحار سيكون ضربة نفسية لهم لانهم لن يتمتعوا بكرنفال قتله بالتعذيب تحت أيديهم الملطخة بالدماء….
هذه المحاولات هي انعكاس للواقع الاجرامي المتمادي في الجريمة من قبل جلاوزة النظام الذين يحلو لهم اللعب بمقدرات الناس وسرقة احلامهم وامانيهم لارضاء غرورهم المتسافل والحصول على مكاسب دنيوية رخيصة …

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
FacebookTwitterYoutube
إغلاق